الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

516

مرآة الحقائق

أهل اللّه الكمّل من المواظبة عليها كلها ، فإن المستحبات طريق لتكميل السنن ، وكذا السنن منهاج لتكميل الواجبات ، وكذا الواجبات سبيل لتكميل الفرائض . ومنه يعلم الفرق بين حال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وبين حال غيره من أمته ؛ لأن من خاصته عليه السّلام أن يدخل على اللّه تعالى في كل عمل بما يليق بذلك المقام على الوجه الأكمل ؛ ولذا كان يفعل شيئا مرة ، ويترك أخرى ما عدا الفرائض ، والواجبات بخلاف حال غيره ، فما فعل صلّى اللّه عليه وسلّم مرة في عمره ؛ ينبغي أن يفعله الأمة مرارا متصلة بآخر أعمارهم ، فإن به يتصل الفيض ، ويقوم التوجه ، ويدوم الصلاة . وفي ذكر السجدة : إشارة إلى أن أفضل أحوال الصلاة حال السجدة ؛ لأنها إشارة إلى الفناء عن التعينات ، والبقاء بالمتعين المطلق المنزّه عن التعين ، واللام تعيّن في الحقيقة ، وأشار بالتطوّع إلى المروءة الإنسانية ، وإن رتبة الإنسان من أعلى رتب الوجود . ولمّا كانت الصلاة عماد الدين ، والبيت لا يقوم إلا بالعماد ؛ أشار بالبيت إلى الجزاء المجانس للعمل ، الموافق للكسب ، فمن أقام الصلاة في الدنيا ؛ أقام اللّه تعالى له بيتا عظيما في الآخرة بحيث لا يوصف عظمته . وقال : « في الجنة » إشارة إلى ما أعطاه تعالى من البيت ، إنما هو بمقابلة الأفعال الظاهرة في الصلاة ، وأمّا ما أعطاه في مقابلة الحركات الباطنة فيها ؛ فهو باطن عن العقول خفي عن الأذهان كما قال تعالى : هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ [ الرحمن : 60 ] . وقال : فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ [ السجدة : 17 ] ؛ لأن النفس لا تدرك إلا الظواهر المشهودة لا البواطن المخفاة في غيب الحق ، جعلنا اللّه وإياكم من القائمين بأمره ، الدائمين على صلواته آمين . 26 - في حديث البخاري : « من صوّر صورة ؛ فإن اللّه معذّبه حتى ينفخ فيها الروح ، وليس بنافخ فيها أبدا » « 1 » :

--> ( 1 ) رواه البخاري ( 2 / 775 ) ، ومسلم ( 3 / 1671 ) .